ما هي صلاة الاستخارة؟
«الاستخارة» في اللغة مأخوذة من مادة «خ-ي-ر»، أي طلب الخير. وفي الشرع: هي طلب الخيرة من الله سبحانه فيما يهمّ المسلم من أمور دنياه وآخرته، حين يتردّد بين الإقدام أو الإحجام عن أمر مباح. وهي ركعتان نافلة يُتبعهما دعاء مأثور.
ودليلها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» (رواه البخاري 1166). فقوله «فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا» يدلّ على أن الاستخارة ليست مقصورة على المسائل الكبرى كالزواج والوظيفة، بل تُشرع في كل أمر يتردّد فيه المسلم.
كيفية صلاة الاستخارة — خطوة بخطوة
تتكوّن الاستخارة من أربع خطوات متتابعة:
- الوضوء: تتوضّأ كما تتوضّأ للصلوات المفروضة، فإن الاستخارة صلاة لا تصحّ إلا بطهارة. وراجع دليل الوضوء.
- تصلّي ركعتين بنيّة الاستخارة: وهي صلاة نافلة مستقلّة، ليست من السنن الراتبة. ويُستحبّ في الركعة الأولى — بعد الفاتحة — قراءة سورة الكافرون، وفي الثانية سورة الإخلاص، لما فيهما من تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك. وهذا مستحبّ غير لازم، فأيّ سورة من القرآن تجزئ.
- الدعاء بعد التسليم: فإذا فرغتَ من الصلاة سلَّمتَ، ثم رفعتَ يديك مستقبلًا القبلة، ودعوتَ بالدعاء المأثور الآتي. ويكون الدعاء فور الفراغ من الصلاة قبل الكلام أو الانصراف.
- الصدق في الافتقار إلى الله: أهمّ ما في الاستخارة أن تدخل فيها بقلب فارغ من التعلّق بأحد الأمرين، مستعدًّا للقبول بما يختاره الله لك. فمن استخار وقلبه قد عقد على أمر بعينه، فاتته حكمة الاستخارة وأصلها.
دعاء الاستخارة
هذا نصّ الدعاء كما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وعند بلوغك إلى قوله «هَذَا الْأَمْرَ» تسكت قليلًا وتسمّي الأمر الذي تستخير فيه — إمّا بالعربية أو بلغتك في قلبك:
نصّ الدعاء كاملًا
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ [وتسمّيه] خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي — عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ — فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي — عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ — فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ.
المصدر: صحيح البخاري — كتاب التهجّد، رقم 1166. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
شرح بعض ألفاظ الدعاء
- «أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ»: أطلب منك الخيرة بما تعلمه من عواقب الأمور التي لا أعلمها.
- «أَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ»: أطلب منك أن تقدّر لي ما تشاء بقدرتك التي لا يُعجزها شيء.
- «فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي»: ثلاثة موازين للخير: صلاح الدين أولًا، ثم صلاح المعاش (الدنيا)، ثم حُسن العاقبة (الآخرة).
- «ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ»: اللهم اجعلني راضيًا بما اخترتَه لي، لئلا يبقى في قلبي تعلّق بما صرفتَه عنّي.
وقت صلاة الاستخارة
الاستخارة تُصلّى في أيّ وقت من ليل أو نهار، إلا في أوقات النهي الثلاثة المعروفة عن نوافل الصلاة:
- عند طلوع الشمس حتى ترتفع قِيدَ رمح (نحو ربع ساعة بعد الشروق).
- عند قيام الشمس وسط السماء (الزوال) حتى تزول، نحو خمس دقائق قبل أذان الظهر.
- بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
وأفضل أوقات الاستخارة الثلث الأخير من الليل قبل أذان الفجر، لما فيه من خلوّ القلب من شواغل الدنيا، وتنزّل الرحمة الإلهية في هذا الوقت كما في الحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ» (متفق عليه).
ضمّ الاستخارة إلى السنن الراتبة: ذهب جمهور العلماء إلى أن المسلم لو نوى الاستخارة في ركعتي سنّة الفجر مثلًا، ثم دعا بعدها بدعاء الاستخارة، أجزأه ذلك ولم يلزمه ركعتان مستقلّتان. والنيّة هي العامل المؤثّر.
تكرار الاستخارة: لم يرد في الحديث عدد مخصوص. فمرّة واحدة تكفي. وقد كرّرها بعض الصحابة والتابعين لِما يَعرض من تردّد، حتى ينشرح الصدر أو تتيسّر الأسباب لأحد الجانبين. ولا يُشرع التكرار حتى تأتي النتيجة الموافقة لهوى النفس، فإن ذلك ينافي حقيقة الاستخارة.
كيف تعرف الجواب؟ — ردّ مفاهيم خاطئة
هذه أكثر مسألة فيها اللبس عند الناس. سنذكر المفاهيم الخاطئة الشائعة ثم نبيّن ما عليه أهل العلم:
أولًا: الرؤيا والألوان
انتشر عند بعض الناس أن جواب الاستخارة يكون برؤيا في المنام، إمّا بلون أخضر يدلّ على الإقدام، أو لون أحمر يدلّ على الإحجام. وهذه فكرة لا أصل لها في السنّة الصحيحة، ولا ذكرها أحدٌ من الفقهاء المتقدّمين. ولم يُعلّم النبي ﷺ أصحابه أن ينتظروا رؤيا، ولم يربط الجواب بلون من الألوان.
وأخطر من ذلك: انتظار الرؤيا قبل اتخاذ القرار يفضي إلى التعطّل والتردّد المذموم، وهو ما يخالف مقتضى التوكّل على الله والأخذ بالأسباب.
ما الذي يقرّره العلماء فعلًا
إذا استخار المسلم، فالمأمور به بعد ذلك:
- المشاورة مع أهل الخبرة والصلاح: فالاستخارة لا تُغني عن المشورة، بل تكمّلها. واستشر من يعلم تفاصيل أمرك ممّن تثق بدينه وعقله.
- الإقدام على ما يميل إليه القلب بعد الدعاء: فإن ظهرت لك الميول إلى الإقدام بانشراح وسهولة، أقدم. وإن وجدت في قلبك نفورًا وضيقًا لا تفسير له، فقد يكون ذلك علامة الصرف.
- تأمّل تيسّر الأسباب أو تعسّرها: إن سرت في الأمر بعد الاستخارة فيسّر الله أسبابه، فهذا من علامات الخير. وإن تعقّدت الأسباب من غير سبب ظاهر، فقد تكون علامة الصرف. وهذا ليس قاعدة قطعيّة بل قرينة.
- الرؤيا قد تأتي ولكنها غير لازمة: فإن جاءت رؤيا صالحة فحسن، وليست شرطًا في صحّة الاستخارة. وغالب الإجابة تكون بتحوّل الأحوال والمشاعر، لا برؤيا.
المعنى الأعمق للاستخارة
الاستخارة ليست عرافة ولا فألًا. حقيقتها ربط إرادة العبد بإرادة الله، وردّ الأمر إليه سبحانه مع الرضى بما يقدّره. قال ابن القيّم رحمه الله: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار». فمن استخار بصدق طمأنه الله إلى ما اختاره له، وزال عنه الهمّ والقلق، فإن أمضى الأمر بُورك له فيه، وإن صُرف عنه أبدله الله خيرًا منه.
الأسئلة الشائعة
- هل تجوز الاستخارة للحائض؟
- الحائض لا تصلي ركعتي الاستخارة لأنها لا تصلي مطلقًا في حال حيضها، ولكن لها أن تدعو بدعاء الاستخارة وحده فإنه دعاء مشروع في كل حال. ويُجزئها ذلك على الراجح من أقوال العلماء، لأن الدعاء عبادة ليست مشروطة بالطهارة.
- هل أصلي الاستخارة عن غيري؟
- نعم، تجوز الاستخارة عن الغير: عن الوالد أو الولد أو الزوج أو القريب. تصلّي الركعتين وتدعو بدعاء الاستخارة وعند قول «هَذَا الْأَمْرَ» تذكر أمر صاحبه. وهذا داخل في عموم الدعاء للمسلم بظهر الغيب.
- كم مرّة تُكرَّر الاستخارة؟
- لم يرد عدد محدّد في الحديث، فمرّة واحدة تكفي. وقد ذكر بعض العلماء استحباب تكرارها سبع مرات لما رواه ابن السنّي بسند ضعيف، فالأفضل تكرارها بحسب الحاجة حتى ينشرح الصدر أو تتيسّر الأسباب لأحد الأمرين.
- هل يجب أن يكون دعاء الاستخارة بالعربية؟
- الركعتان لا تصحّان إلا بقراءة الفاتحة بالعربية، فهي ركن. أمّا دعاء الاستخارة بعد التسليم فهو دعاء مطلق يجوز بأيّ لغة، إلا أن الأفضل التزام اللفظ النبوي بالعربية لما فيه من جوامع الكلم، ويتعلّمه المسلم تدريجيًّا فهو دعاء قصير محفوظ.
- ما حكم انتظار الرؤيا بعد الاستخارة؟
- انتظار الرؤيا أو بحث الألوان (الأخضر يدلّ على الإقدام، الأحمر على الإحجام) لم يرد به دليل شرعي، ولا ذكره الفقهاء المتقدّمون. علامة استجابة الاستخارة الصحيحة عند الجمهور هي تيسير الأمر أو تعسّره، وانشراح الصدر للإقدام أو نفوره منه. والرؤيا إن جاءت مبشّرة فحسن، وإن لم تأتِ فالاستخارة مستجابة بإذن الله.
خاتمة في التوكّل
الاستخارة تعبير عن غاية التوكّل: «نظرتُ في الأمر، شاورتُ من أثق به، بذلتُ ما في وسعي. ثم سلّمتُ الأمر إليك أنت يا من يعلم ما لا أعلم». فمن بلغ هذا المقام فلن يندم على قرار، لأن العاقبة وُكلت لمن يُحسن اختيارها. وكفى بقول النبي ﷺ في ختام الدعاء: «وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ».
اقرأ أيضًا