متى يبدأ وقت السحور وينتهي؟
يبدأ وقت السحور شرعًا من نصف الليل (أي نصف المدة بين غروب الشمس وطلوع الفجر)، وينتهي بـطلوع الفجر الصادق. ولا حدّ لأقل ما يتسحّر به، حتى أن النبي ﷺ قال: «تسحّروا ولو بجرعة ماء» (رواه أحمد، وصححه ابن حبان).
والسنّة تأخير السحور إلى آخر الليل قبيل أذان الفجر مباشرةً. قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قَدْرُ خمسين آية» (متفق عليه: البخاري 575 ومسلم 1097). أي نحو 15–20 دقيقة قبل أذان الفجر.
الفرق بين الفجر الكاذب والفجر الصادق
الفجر فجران، اتفق الفقهاء على التفريق بينهما:
1 — الفجر الكاذب (المستطيل)
ضوء أبيض يظهر في الأفق الشرقي ممتدًا عموديًا كذنب السرحان (الذئب)، ثم يختفي ويعود الظلام. لا يحرم به الطعام والشراب، ولا تجب به صلاة الفجر. يسبق الفجر الصادق بنحو 30–60 دقيقة.
2 — الفجر الصادق (المستطير)
بياض ينتشر في الأفق الشرقي أُفُقيًا (يميناً وشمالاً)، لا يعود بعده الظلام بل يزداد ضوءًا حتى تطلع الشمس. به يحرم الطعام والشراب على الصائم، وتدخل صلاة الفجر. قال تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» (البقرة: 187). وفسّر النبي ﷺ الخيط الأبيض بـ«بياض النهار» والخيط الأسود بـ«سواد الليل» (رواه البخاري 1916).
والأذان الذي يُسمع في المساجد فجرًا هو لأذان الفجر الصادق، فإذا سُمع وجب الإمساك فورًا.
فضل السحور
للسحور فضائل عظيمة ثابتة في السنّة:
- البركة: قال ﷺ: «تسحّروا فإن في السحور بركة» (متفق عليه).
- الفصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: قال ﷺ: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر» (رواه مسلم 1096).
- صلاة الله وملائكته على المتسحّرين: قال ﷺ: «إن الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين» (رواه أحمد وصححه الألباني).
- القوّة على العبادة: يُعين الصائم على إتمام صيامه دون مشقّة شديدة.
- وقت إجابة الدعاء: الثلث الأخير من الليل يتنزل فيه الرب سبحانه نزولًا يليق بجلاله، فيقول: «هل من سائل فأعطيه...» (متفق عليه).
ما يُسنّ التسحّر به
ثبت عن النبي ﷺ تفضيل التمر، قال: «نعم سحور المؤمن التمر» (رواه أبو داود 2345 وصححه ابن حبان). والحكمة فيه أنه يُعطي طاقة سريعة وبطيئة معًا، ويُيسّر الصيام الطويل. ويُستحب الإكثار من الماء في السحور استعدادًا لساعات الصيام، وتجنّب الإكثار من المالح والمتبّلات التي تُسبّب العطش.
أحكام السحور
1 — حكم من أكل بعد أذان الفجر
من علم بطلوع الفجر الصادق ثم أكل أو شرب متعمدًا أفطر، ووجب عليه قضاء ذلك اليوم. أما من أكل ظانًا بقاء الليل ثم تبيّن أن الفجر قد طلع، فقد اختلف الفقهاء: عند الجمهور يجب القضاء، وعند ابن تيمية وابن حزم وجماعة لا قضاء عليه عملًا بحديث أسماء بنت أبي بكر في إفطار الصحابة في يوم غيم ثم طلعت الشمس (رواه البخاري 1959).
2 — الإمساك قبل الفجر بعشر دقائق احتياطًا
الإمساك قبل الفجر بعشر دقائق أو ربع ساعة على سبيل الاحتياط بدعة لا أصل لها في السنّة. الواجب الإمساك بطلوع الفجر الصادق، أو بأذان الفجر الذي يُحدَّد بدخوله. والنبي ﷺ كان يأكل حتى يُؤذَّن.
3 — الإناء في يدي عند سماع الأذان
قال ﷺ: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» (رواه أبو داود 2350 وصححه الألباني). فمن أمسك الإناء وأذّن المؤذّن، جاز له أن يُكمل شربه.
4 — السحور للحامل والمرضع والمسافر
السحور سنّة لكل صائم، حتى المسافر والحامل والمرضع الذين أُذِن لهم بالفطر. فإن صاموا فالسحور أعون لهم، وإن أفطروا فلا حاجة إليه.
المسحّراتي — تقليد عربي قديم
في المدن العربية القديمة، كان «المسحّراتي» يطوف الحارات قبيل الفجر يوقظ الناس للسحور بطبلة صغيرة منشدًا: «اصحى يا نايم، وحّد الدايم». تقليد ابتُكر في مصر في عهد عمر بن الخطاب وانتشر في الشام والمغرب. أما اليوم فقد حلّت أجهزة المنبّه والتطبيقات محلّ المسحّراتي في كثير من المدن، لكنه لا يزال موجودًا في الحارات الشعبية بالقاهرة ودمشق وفاس.