تخطّى إلى المحتوى

زينة رمضان

فانوس وهلال وأنوار تُضاء على الشرفات والحارات والمساجد إيذانًا بقدوم شهر القرآن — تقاليد حيّة في بلاد المسلمين منذ أكثر من ألف عام.

فانوس رمضان — حكاية من القاهرة الفاطمية

من أرسخ التقاليد الرمضانية في البلاد العربية تعليق فوانيس رمضان في الشوارع والبيوت والمساجد. وأصل الحكاية يعود إلى ليلة الخامس من رمضان سنة 358هـ الموافق الخامس من يوليو 969م، حين دخل الخليفة الفاطمي المعزّ لدين الله مدينة القاهرة الفاطمية الجديدة قادمًا من المغرب. فخرج أهل القاهرة بقيادة قاضيها ووجوهها لاستقباله في موكب ليليّ يحملون الفوانيس لإضاءة الطريق، فأعجبه المنظر، وصار الناس يحتفلون به في كل رمضان من العام التالي.

ثم تطوّر الفانوس في العصر المملوكي (648–923هـ) إلى تحفة فنية: هيكل معدني من النحاس أو الحديد المخرّم، وأوجه زجاجية ملوّنة (أحمر وأزرق وأخضر وأصفر)، وشمعة في وسطه. وصارت لخان الخليلي بالقاهرة شهرة عالمية في صناعة الفوانيس، يقصده الزوّار من السودان والشام والحجاز لشرائه. وكان الأطفال يطوفون في الحارات قبيل الإفطار وفي ليالي الشهر حاملين فوانيسهم منشدين: «وحوي يا وحوي... إيوحا... رحت يا شعبان... إيوحا... وجيت يا رمضان... إيوحا».

وفي العصر الحديث ظهرت أنواع متعددة من الفوانيس:

  • الفانوس المصري التقليدي: سداسي أو ثماني الأوجه، نحاسي بزجاج ملوّن، يُضاء بشمعة.
  • فانوس البطارية الحديث: يعمل بمصابيح LED ويُصدر أصواتًا وموسيقى رمضانية، شائع لدى الأطفال.
  • الفانوس الكبير للحارات والميادين: يُعلَّق فوق الشوارع وفي ساحات المساجد، وقد يبلغ ارتفاعه أمتارًا.
  • الفانوس الزخرفي: للديكور فقط بلا مصدر إضاءة، يُوضع على طاولة الإفطار أو يُعلَّق في صدر المجلس.

الهلال والنجمة — رموز رمضانية

الهلال والنجمة من أبرز رموز الزينة الرمضانية، يُعلَّقان على الشرفات والجدران وعلى زجاج النوافذ. وللهلال أصل شرعي عميق: فالتقويم الإسلامي قمري، ودخول رمضان وخروجه يكون برؤية الهلال، قال تعالى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ» (البقرة: 189). وقال ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (متفق عليه: البخاري 1909 ومسلم 1081).

أما اقتران الهلال شعارًا بالأعلام الإسلامية فهو تقليد عثماني بدأ في القرن الثامن الهجري، وانتشر إلى أعلام تركيا وباكستان والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا وماليزيا والمالديف. وحتى المئذنة الهلالية أعلى قباب المساجد هي إرث عثماني — أما مساجد القرون الأولى فلم تكن تُتوَّج بهلال.

تقاليد الزينة في البلاد العربية

مصر — أصل الفانوس وعاصمته

مصر هي مهبط فانوس رمضان وعاصمته إلى اليوم. في كل حارة شعبية مصرية تجد الفوانيس معلّقة بين البيوت، وفي شوارع وسط القاهرة والإسكندرية تُضاء سلاسل الأنوار الملوّنة من بداية شعبان. ومن أشهر التقاليد: «المسحّراتي» الذي يطوف الحارات قبل الفجر يوقظ الناس للسحور بطبلته الصغيرة منشدًا «اصحى يا نايم وحّد الدايم»، وكذلك «مدفع الإفطار» الذي يُطلَق إيذانًا بحلول وقت المغرب — تقليد عثماني نُقل إلى مصر في القرن العاشر الهجري.

الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين)

في دمشق وحلب وعمّان والقدس وبيروت تُعلَّق لافتات قماشية كبيرة كُتب عليها «رمضان كريم» و«مرحبًا يا رمضان» عبر الشوارع. وفي البيوت تُزيّن طاولة الإفطار بآنية نحاسية تقليدية: إبريق التمر، طاسة الفتوش، صحن المعجنات. ومن المظاهر الشامية الفريدة: «الحكواتي» في مقاهي دمشق القديمة، يروي قصص عنترة والظاهر بيبرس بعد التراويح.

الخليج (السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمان)

في بلاد الخليج تأخذ زينة رمضان طابعًا أكثر فخامة: الفوانيس الضخمة في المراكز التجارية بدبي والرياض والكويت، والمنحوتات الضوئية على الكورنيش، والإضاءات على المساجد الكبرى. وللعائلات الخليجية تقاليد جميلة قبل العيد: «القرقيعان» في الكويت والبحرين والإمارات (ليلة 13 و14 و15 من رمضان) — يطوف فيها الأطفال البيوت بأكياس ملوّنة فيُعطيهم أهلها الحلوى والمكسرات وهم ينشدون: «قرقيعان وقرقيعان... بين قصير ورمضان».

المغرب العربي (المغرب والجزائر وتونس وليبيا)

في المغرب يبدأ التزيين باستقبال «هيلة رمضان» (ليلة الرؤية) بأهازيج خاصة. وفي تونس تُعلَّق الفوانيس على شكل قبة وتُسمى «الفانوس التونسي». وفي الجزائر يُحضَّر «بوزلوف» و«المعقودة» في طاولات إفطار مزيّنة. والمغرب العربي يتميز بـ«النفّار» — الرجل الذي يصعد المئذنة قبيل الفجر فينفخ في بوقه طويلًا إعلانًا بقرب وقت الإمساك.

زينة عيد الفطر

مع إعلان رؤية هلال شوّال، تنقلب الزينة من طابعها الرمضاني الهادئ إلى طابع احتفالي بهيج. تُضاف البالونات الملوّنة، ولافتات «عيد مبارك» و«عيد سعيد» و«كل عام وأنتم بخير»، وتُجهَّز ملابس العيد الجديدة، وتُوزَّع «العيدية» على الأطفال (مال يُعطى لهم صباح العيد، يُسمّى في الشام والخليج «العيدية» وفي شبه القارة الهندية «العيدي»). وفي ليلة العيد (المعروفة في الباكستان والهند بـ«تشاند رات» أي «ليلة القمر») تنشط الأسواق إلى الفجر، وتتزيّن النساء بالحنّاء.

راجع صفحة رمضان 2027 لمواقيت الإمساك والإفطار، واقرأ عن الخط العربي الذي يُستعمل في لافتات «رمضان كريم».

الأسئلة الشائعة

ما أصل فانوس رمضان؟
أصله مصري قاهري قديم، يعود إلى دخول المعزّ لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة ليلة الخامس من رمضان سنة 358هـ (969م). خرج أهل القاهرة لاستقباله ليلًا حاملين الفوانيس لإضاءة الطريق، فاستحسن الناس المنظر وصار تقليدًا سنويًا. تطوّر الفانوس في العصر المملوكي إلى تحفة معدنية ذات أوجه زجاجية ملوّنة، وانتشرت صناعته في خان الخليلي بالقاهرة، ومنها انتقل إلى الشام والسودان والخليج وسائر بلاد المسلمين. وللأطفال أغنية شعبية مصرية شهيرة يرددونها وهم يحملون الفوانيس: «وحوي يا وحوي... إيوحا».
لماذا اقترن الهلال بالإسلام؟
لأن التقويم الإسلامي قمري بالكامل، يبدأ كل شهر فيه برؤية هلال الشهر الجديد، قال تعالى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ» (البقرة: 189). فدخول رمضان وخروجه، ووقت الحج، وعاشوراء، وكل المواقيت الشرعية، تُحدّد برؤية الهلال. أما استعمال الهلال شعارًا على الأعلام والقباب فهو تقليد عثماني (من القرن 8هـ تقريبًا) لا أصل له في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين. فالهلال رمز فلكي شرعي، لا رمز عقدي.
متى يبدأ المسلمون بتزيين البيوت لرمضان؟
تبدأ الزينة عادةً في الأسبوع الأخير من شعبان (الشهر الذي يسبق رمضان). في مصر تظهر الفوانيس في الشوارع قبل رمضان بأسبوعين، وتُعلّق الزينة على الشرفات وفي المساجد والأسواق. في الخليج والشام تُضاء واجهات المراكز التجارية والمساجد. وتستمر الزينة طوال الشهر الكريم وإلى أيام عيد الفطر الثلاثة. وتُعلَّق لافتات «رمضان كريم» و«مرحبًا يا رمضان» و«أهلًا رمضان».
هل هناك ضوابط شرعية لزينة رمضان؟
نعم، أبرزها: (1) عدم تعليق صور ذوات الأرواح من البشر والحيوان على وجه التعظيم، اقتداءً بقوله ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة» (متفق عليه)؛ (2) عدم كتابة آيات قرآنية على ما يُرمى أو يُمتهن (كأطباق ورقية تُلقى بعد الاستعمال)؛ (3) عدم الإسراف في الإضاءة والمصاريف، فالاعتدال من خلق المسلم، قال تعالى: «وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» (الأعراف: 31)؛ (4) عدم التشبّه بشعائر غير المسلمين في الزينة.