تخطّى إلى المحتوى

الخط العربي

من أرقى الفنون البصرية في الحضارة الإسلامية — نشأ مع نزول الوحي، وتطوّر مع حفظ القرآن الكريم، وبلغ ذروته في يد أئمة الخط من ابن مقلة إلى المعاصرين.

نشأة الخط العربي

الخط العربي فن إسلامي بامتياز، نشأ مع نزول القرآن الكريم على النبي محمد ﷺ، وتطوّر تطوّرًا متسارعًا في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة استجابةً لحاجة الأمة إلى تدوين كتاب الله ضبطًا واتقانًا. وقد بدأ بسيطًا غير منقوط ولا مشكول في المصاحف العثمانية الأولى، ثم استدعى انتشار الإسلام في الأمصار وضع الإعجام (النقاط) ثم الشكل (الحركات) لمنع اللحن في قراءة القرآن.

من أبرز محطات تطوّر الخط: وضع نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني نقط الإعجام بأمر الحجاج بن يوسف الثقفي (نحو 75هـ)، ثم وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ) الشكل التام بالحركات المعروفة اليوم. وفي القرن الرابع الهجري وضع الوزير ابن مقلة (272–328هـ) قواعد «الخط المنسوب» باعتماد النقطة المعينة الشكل وحدةً للقياس، فصار لكل حرف عدد محدد من النقاط في طوله وعرضه. ثم نقّح ابن البواب (ت 413هـ) منظومته، وقنّن ياقوت المستعصمي (ت 698هـ) الأقلام الستة في العصر العباسي المتأخر.

أنواع الخط العربي

الكوفي

الحقبة: القرن الأول الهجري

نُسب إلى مدينة الكوفة بالعراق، وهو أول خط دُوّن به القرآن الكريم. يتميز بالطابع الهندسي والزوايا الحادة والاستقامة في الحروف، استُعمل في المصاحف المبكرة (القرن الأول إلى الثالث الهجري) وفي نقوش قبة الصخرة المشرفة (72هـ). يُستخدم اليوم في الزخرفة المعمارية وعناوين الكتب.

النسخ

الحقبة: القرن الرابع الهجري

طوّره الوزير العباسي ابن مقلة (272–328هـ) ليكون خطًا واضحًا سهل القراءة، ثم نقّحه ابن البواب. سُمي بالنسخ لكثرة نسخ المصاحف به. هو الخط المعتمد لطباعة المصاحف اليوم في معظم بلاد المسلمين، لكونه الأوضح والأيسر للقراءة في الأحجام الصغيرة.

الثلث

الحقبة: القرن الخامس الهجري

أصعب الخطوط العربية وأجملها. سُمي بالثلث لأن نسبة المنحني فيه إلى المستقيم ثلث. يُستخدم في عناوين السور وفي النقوش الكبيرة على جدران المساجد ومنها كسوة الكعبة المشرفة. يقول الخطاطون: «من لم يُتقن الثلث فليس بخطّاط». بلغ ذروته في يد الشيخ حمد الله الأماسي والحافظ عثمان في الدولة العثمانية.

الديواني

الحقبة: القرن العاشر الهجري (العثماني)

ابتكره الخطاط حسام رومي في عهد السلطان سليمان القانوني. سُمي ديوانيًا لاستعماله في دواوين السلاطين العثمانيين والمراسيم السلطانية. يتميز بتداخل الحروف وانحناءاتها المتشابكة بصورة تجعل التزوير شبه مستحيل. للديواني نوعان: الديواني العادي والديواني الجلي المزخرف.

الرقعة

الحقبة: القرن الثالث عشر الهجري (العثماني)

وضع قواعده ممتاز بك العثماني سنة 1280هـ ليكون خط الكتابة اليومية في الدواوين. بسيط سريع قصير الحروف قليل التزويق. هو الخط المستعمل في الكتابة اليدوية اليومية في كل البلاد العربية اليوم، وفي عناوين الصحف والإعلانات.

الفارسي (التعليق/النستعليق)

الحقبة: القرن التاسع الهجري

نشأ في إيران من مزج بين خطّي التعليق والنسخ على يد مير علي التبريزي، ولذا سُمي «نستعليق». يتميز بانسيابية شديدة وانحناءات شاعرية، ويُستخدم لكتابة الشعر الفارسي والأردي، وفي مصاحف شبه القارة الهندية. غالب نقوش المساجد في إيران وأفغانستان وباكستان بهذا الخط.

الخط والقرآن الكريم

ارتبط الخط العربي بالقرآن ارتباطًا عضويًا: فالقرآن كلام الله المُنزّل بلسانٍ عربي مبين، وحفظه يكون في الصدور والسطور معًا. كان الصحابة الكرام يكتبون الوحي على الرقاع والعِظام واللخاف والعُسُب في حياة النبي ﷺ، ثم جُمع في مصحف واحد في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم نُسخت منه عدة مصاحف في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ووُزّعت على الأمصار، وهي «المصاحف العثمانية» التي بقي بعضها إلى يومنا (كمصحف طشقند ومصحف توبكابي).

ومنذ ذلك الحين صار نسخ المصحف الشريف من أعظم القُربات وأشرف الصنائع. كان الخطاط ينقطع للمصحف الواحد سنوات، ويتقاضى عليه ما يعادل قيمة دار كاملة. وقد ارتبط الخط النسخ ارتباطًا خاصًا بالمصحف لوضوحه وانتظامه، حتى صار اليوم الخط الرسمي لطباعة مصاحف المدينة المنورة والمصاحف الشريفة في معظم بلاد المسلمين، وأشهرها مصحف الخطاط عثمان طه السوري.

الخط في الزخرفة والعمارة الإسلامية

امتدّ الخط العربي إلى جدران المساجد والقصور والمدارس، فزيّن قبة الصخرة المشرفة (72هـ) بآيات قرآنية بالكوفي، ومحراب مسجد قرطبة، ومحراب السلطان حسن في القاهرة، وقبة المسجد النبوي الشريف بآيات الثلث الجليّ، والمسجد الحرام بكسوة الكعبة المكتوبة بخط الثلث. وفي إيران وآسيا الوسطى يغلب الخط الفارسي على نقوش المساجد كمسجد الشاه في أصفهان. وفي تركيا تتنافس مساجد المعمار سنان (السليمانية، السليمية بأدرنة) في عرض روائع خط الثلث العثماني.

أعلام الخطاطين المعاصرين

لم ينقطع تيار الخطاطين الكبار في العصر الحديث. ففي تركيا أُسست مدرسة الخط العثمانية على يد الحافظ عثمان (ت 1110هـ) وحامد الآمدي (1891–1982)، وتلاميذه يحملون الإجازات حتى اليوم. وفي مصر برز سيد إبراهيم (1897–1994) ومحمد عبدالقادر. وفي العراق هاشم محمد البغدادي (1917–1973) صاحب الكتاب المرجعي «قواعد الخط العربي». وفي سوريا منير الشعراني (مواليد 1952) المعروف بتركيباته الكوفية لشعر الصوفية. ولا يزال الخط حيًا يُمارَس ويُعلَّم في مدارس الخط بإسطنبول والقاهرة وبغداد ودمشق، وفي معهد الخط العربي في القاهرة.

اقرأ المزيد عن الزخارف الهندسية الإسلامية والكعبة المشرفة.

الأسئلة الشائعة

لماذا عُني المسلمون بالخط العربي عناية فائقة؟
لثلاثة أسباب متضافرة: (1) كراهة الفقهاء تصوير ذوات الأرواح خشية الوقوع في التماثيل، فاتجهت الطاقة الفنية إلى الزخرفة الهندسية والأرابيسك والخط؛ (2) أن القرآن الكريم كلام الله المنزّل بالعربية، فصار حسن نسخه عبادة وقربة، وعكف الخطاطون عقودًا على كتابة المصحف الواحد؛ (3) مرونة الحرف العربي نفسه — فهو متصل قابل للمدّ والاختزال والتداخل، يسمح بتشكيلات لا حصر لها لا توفرها الحروف اللاتينية.
ما هي «الأقلام الستة» في الخط العربي؟
هي الستة التي قنّنها ياقوت المستعصمي في القرن السابع الهجري بعد إصلاحات ابن مقلة وابن البواب، وهي: النسخ، والثلث، والمحقق، والريحاني، والتوقيع، والرقاع (غير الرقعة الحديثة). وقد تطورت بعدها خطوط أخرى كالكوفي قبل الستة، والديواني والرقعة في العهد العثماني، والفارسي/النستعليق في فارس وما وراء النهر.
ما دور الخط العربي في حفظ القرآن الكريم؟
كان جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ثم نسخه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنهما حدثًا فاصلًا في تاريخ الخط: استدعى ضبطًا دقيقًا للحروف وتمييزًا للمتشابهات. ثم وُضع الإعجام (نقط الحروف) على يد نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر الحجاج، والشكل التام على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي. هكذا تطوّر الخط جنبًا إلى جنب مع علم رسم المصحف، وصار حفظ القرآن في صدور القرّاء وفي سطور الخطاطين توأمين.
من أبرز خطاطي العصر الحديث؟
في مصر: الخطاط الكبير سيد إبراهيم (1897–1994) ومحمد عبدالقادر وخضير البورسعيدي. في تركيا: حامد الآمدي (1891–1982) ويوسف صدقي. في العراق: هاشم محمد البغدادي (1917–1973) صاحب «قواعد الخط العربي» الذي يُدرَّس في الجامعات. في سوريا: محمد بدوي الديراني ومنير الشعراني. ومن المعاصرين الناشطين: محمد زكريا (أمريكي اعتنق الإسلام، صمّم طابع العيد للبريد الأمريكي)، وحسن المسعودي (عراقي/فرنسي).