تخطّى إلى المحتوى

الزخارف الهندسية الإسلامية

فن إسلامي رفيع وُلِد من التوحيد — هندسةُ التجريد التي تُومئ إلى الواحد الأحد عبر تكرار الأشكال المنتظمة إلى ما لا نهاية.

التوحيد عبر التجريد الهندسي

نشأت الزخرفة الهندسية الإسلامية من رحم العقيدة، لا من مجرد ذوق فني. فالشريعة قد سدّت باب تصوير ذوات الأرواح خشيةَ الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من تعظيم التماثيل والصور حتى آل بهم الأمر إلى عبادتها. قال النبي ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة» (متفق عليه: البخاري 3225 ومسلم 2106). وقال ﷺ: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوّرون» (متفق عليه).

فلما انغلق باب التمثيل، فتح الله للمسلمين أبواب التجريد المعنوي والبصري. واتجهت الطاقة الفنية إلى ثلاثة محاور:

  1. الخط العربي: تعظيمًا لكلام الله المنزّل.
  2. الأرابيسك (التوريق): أشكال نباتية مجرّدة لا تُحاكي نباتًا بعينه.
  3. الزخارف الهندسية: أعقد فنّ رياضي عرفه التاريخ قبل العصور الحديثة.

والمعنى العميق وراء التجريد الهندسي هو تنبيه القلب إلى التوحيد: فالنمط الواحد يتولّد عن دائرة واحدة (وهي رمز الكمال والوحدة)، ثم يتكرر بانتظام إلى ما لا نهاية، فيُذكّر الناظرَ بأن المخلوقات على كثرتها صادرة عن خالق واحد لا شريك له. قال تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» (القمر: 49).

الأنماط الهندسية الشائعة

النجمة الثمانية (نجم ثماني الرؤوس)

أشهر النجوم في الزخرفة الإسلامية. تتكوّن من تركيب مربعين متعاكسين بزاوية 45 درجة. شاعت في الزخرفة العباسية والمملوكية والأندلسية، وتظهر في أرضيات قصر الحمراء وفي المنابر الخشبية المصرية المملوكية وفي بلاطات قاشاني الإيرانية.

النجمة العشرية والإثني عشرية

النجمة ذات الرؤوس العشر أو الإثني عشر هي قمة التعقيد الرياضي في الزخرفة الإسلامية. تتطلب تقسيم الدائرة إلى عشرة أو إثني عشر جزءًا بالفرجار. تشتهر بها الزخرفة الفارسية والسلجوقية. وقد أثبت الفيزيائيان بيتر لو وبول شتاينهارت في بحث نُشر بمجلة «Science» عام 2007م أن زخارف مزار درب الإمام في أصفهان (857هـ/1453م) تتبع نظام التبليط شبه الدوري (quasiperiodic) الذي اكتشفه روجر بنروز نظريًا عام 1974م — أي أن الحرفيين الفرس سبقوا العالم الرياضي بخمسة قرون.

الأرابيسك (التوريق)

الزخرفة النباتية المُجرَّدة: سيقان متعرّجة وأوراق مُسطحة وأزهار خماسية لا تُمثّل نباتًا بعينه، بل هي «نبات معقول» مجرّد. سُمّيت بالإنجليزية «arabesque» (على الطريقة العربية) لأنها كانت أبرز ما رآه الأوروبيون في الفن الإسلامي. تظهر بأنقى صورها في زخارف المصاحف العثمانية وفي السقوف الخشبية المغربية وفي أبواب القصور المملوكية.

المقرنصات

ثلاثية الأبعاد فريدة: تشكيلات معمارية تشبه «خلية النحل» تتدلى من الأركان وأسفل القباب، تُحوّل المربع إلى الدائرة بانتقال هندسي بصري. تُتقن في إيوانات مدارس سمرقند وفي قاعة الأختين في الحمراء وفي محاريب المساجد العثمانية. وهي حلٌّ معماري وفنيّ في آن واحد.

أين نراها؟

في المسجد

المحراب: يُحاط عادةً بإطار هندسي صارم تتوسطه آيات قرآنية بخط الثلث. القبة من الداخل: تتنزّل منها زخارف مُشعّة من المركز (يرمز إلى الوحدانية). المنبر الخشبي: مرصّع بمضلّعات نجمية متداخلة، أشهرها منبر صلاح الدين الأيوبي الذي صنعه نور الدين زنكي. المنابر العثمانية في مساجد المعمار سنان مكسوّة بزخارف الثلث الجلي والقاشاني الأزرق.

في المصحف الشريف

صفحات الافتتاح في المصاحف العثمانية والصفوية والمملوكية مزيّنة بإطار ذهبي وأرابيسك ملوّن بأدق التفاصيل. كل سورة تبدأ بـ«عنوان» مذهّب على هيئة مستطيل مزخرف. ونهاية كل آية تُختم بنجمة صغيرة مذهّبة. هذه الزخرفة لا تُلهي عن النص، بل تُهيب به وتُجلّه.

في العمارة المدنية

قصر الحمراء (غرناطة)، قصر طوب قابي (إسطنبول)، البيت الدمشقي والبيت القاهري، الأبواب الخشبية المغربية والمصرية، الخزف الفاطمي والسلجوقي، السجاد الفارسي والتركماني والكشميري. كل سطح فارغ في الحضارة الإسلامية كان فرصة للتجريد الهندسي.

كيف صُنعت هذه الزخارف؟

استعمل الحرفي المسلم أدوات بسيطة: الفرجار (الدوار) والمسطرة والقلم الرصاص. يبدأ بدائرة، يقسمها إلى عدد من الأجزاء (4، 6، 8، 10، 12، 16)، ثم يرسم الخطوط والأقواس بين نقاط التقسيم، فتنشأ النجوم والمضلعات والتشابكات. ومن أهم الوثائق الباقية «طومار طوب قابي»، وهو لفافة بطول 29.5 مترًا من القرن التاسع الهجري تضم 114 نمطًا زخرفيًا مع طرق إنشائها — كتاب مرجعي للحرفيين تعلّموا منه أصول الصنعة.

اقرأ المزيد عن الخط العربي، وعن الكعبة المشرفة.

الأسئلة الشائعة

لماذا اتجه الفن الإسلامي إلى التجريد الهندسي بدلًا من التمثيل؟
لأن الشريعة الإسلامية تنهى عن تصوير ذوات الأرواح من الناس والحيوان في سياق التعظيم والتعبد، سدًّا لذريعة الشرك ومحافظةً على عقيدة التوحيد. قال ﷺ: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوّرون» (متفق عليه). فلما حُجبت الصورة، انفجرت طاقة المسلمين الفنية في ثلاثة محاور غير تمثيلية: الخط العربي، والأرابيسك (الزخارف النباتية المجرّدة)، والزخارف الهندسية. وقد أنتج هذا القيد على مدى قرون أعقد فنّ زخرفي رياضي عرفه التاريخ.
ما رمزية الزخارف الهندسية في الإسلام؟
ليس للزخارف رمزية شرعية محددة، فهي بطبيعتها تجريدية لا تصويرية. لكنها تُلهم المتأمل معاني التوحيد: فالنمط الواحد المتكرر إلى ما لا نهاية يُذكّر بوحدانية الخالق سبحانه؛ والنجمة المتعددة الرؤوس المتولّدة من دائرة واحدة تومئ إلى كثرة المخلوقات الصادرة عن مصدر واحد؛ والتشابكات اللامنتهية تستدعي قوله تعالى: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ» (الدخان: 38). وفسّر بعض المتصوفة الزخرفة بأنها «هندسة الباطن».
أين تظهر الزخارف الهندسية الإسلامية بأبرز صورها؟
في كل ركن من العمارة الإسلامية تقريبًا: (1) قبة الصخرة المشرفة في القدس (72هـ) — أقدم نموذج بقي إلى اليوم؛ (2) قصر الحمراء في غرناطة (القرن 8هـ) — يحتوي على نماذج لجميع المجموعات السبعة عشر للتناظر المستوي؛ (3) مسجد الشيخ لطف الله في أصفهان (1011هـ)؛ (4) قصر طوب قابي في إسطنبول (مع مخطوطة طوب قابي الشهيرة، دليل عملي للزخرفة من القرن 9هـ)؛ (5) مسجد السلطان حسن في القاهرة (758هـ)؛ (6) مدارس سمرقند وبخارى. وفي زخارف المصاحف العثمانية والمملوكية والصفوية أمثلة لا تُحصى.
ما الفرق بين الزخرفة الهندسية والأرابيسك؟
الزخرفة الهندسية تعتمد على الأشكال الرياضية الصارمة: المضلعات والنجوم والدوائر والمستقيمات المتقاطعة وفق نسب رياضية محسوبة بالفرجار والمسطرة. أما الأرابيسك (التوريق) فيعتمد على الأشكال النباتية المُجرَّدة: السيقان والأوراق والأزهار المتداخلة بانسيابية. والاثنان يُجمعان كثيرًا في نفس السطح: إطار هندسي صارم يُملأ داخله بأرابيسك ناعم، ويُحيط بهما إطار من الخط العربي. وهذه الثلاثية — هندسة وأرابيسك وخط — هي توقيع الفن الإسلامي.