فضل ليلة القدر في القرآن
أنزل الله سبحانه سورة كاملة من القرآن في فضل هذه الليلة، هي سورة القدر:
«إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ»(سورة القدر: ١-٥)
قوله تعالى «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» — وألف شهر تساوي نحو ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر. فليلة واحدة من إخلاص العبادة فيها تعدل عمر إنسان كاملًا من العبادة المعتادة. وهذا أعظم عرض في التقويم الإسلامي كلّه.
وهذه الليلة أيضًا هي «الليلة المباركة» المذكورة في قوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ... فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (الدخان: 3-4). فيها تُكتب المقادير السنوية للعباد — من رزق وأجل وحياة وموت — مما قُضي في اللوح المحفوظ، تنزيلًا منه إلى ملائكة التدبير.
متى ليلة القدر في رمضان ٢٠٢٦؟
رمضان ١٤٤٧هـ يبدأ ليلة الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ (تقريبًا، قد يتغيّر بحسب الرؤية)، وينتهي ليلة الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦. وتبدأ العشر الأواخر عند مغرب يوم ٨ مارس ٢٠٢٦. وليالي الوتر الخمس المرجوّة هي:
| ليلة رمضان | التاريخ الميلادي | الملاحظة |
|---|
| ليلة ٢١ | ليلة الأحد ٨ مارس ← الإثنين ٩ مارس | أوّل العشر الأواخر |
| ليلة ٢٣ | ليلة الثلاثاء ١٠ مارس ← الأربعاء ١١ مارس | ليلة وتر |
| ليلة ٢٥ | ليلة الخميس ١٢ مارس ← الجمعة ١٣ مارس | ليلة وتر |
| ليلة ٢٧ | ليلة السبت ١٤ مارس ← الأحد ١٥ مارس | أرجى الليالي عند الجمهور |
| ليلة ٢٩ | ليلة الإثنين ١٦ مارس ← الثلاثاء ١٧ مارس | ليلة وتر |
تنبيه مهمّ: اليوم في الشرع يبدأ من المغرب لا من منتصف الليل. فقولنا «ليلة السابع والعشرين» يعني الليلة التي تبدأ من مغرب اليوم السادس والعشرين وتستمرّ إلى فجر اليوم السابع والعشرين. وكثير من الناس يخطئ في ذلك فيُحيي الليلة الخاطئة.
اجتهد في الليالي الخمس كلّها. فإن لم تستطع إلا ليلة واحدة، فاحرص على ليلة السابع والعشرين (السبت ١٤ ← الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦)، فهي أرجى الليالي عند جمهور العلماء، لقول أبيّ بن كعب رضي الله عنه — وحلف على ذلك — أنها ليلة السابع والعشرين (رواه مسلم 762). راجع أيضًا إمساكية رمضان ٢٠٢٦ لمواقيت السحور والإفطار في مدينتك.
لماذا أُخفي تحديد ليلة القدر؟
بيّن ذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: خرج النبي ﷺ ليُخبر الصحابة بتعيين ليلة القدر، فلمّا تلاحى رجلان من المسلمين رُفع تعيينها: «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» (رواه البخاري 2023). ومن حكمة الإخفاء:
- أن يجتهد المسلمون في عبادات الليالي كلّها، لا ليلة واحدة فقط.
- أن لا يتّكل أحد على قيام ليلة بعينها فيتراخى في باقي الليالي.
- أن طلبَها في حدّ ذاته عبادة يثاب عليها العبد ولو لم يدركها بعينها.
علامات ليلة القدر (تُعرف بعد وقوعها)
هذه العلامات وردت في أحاديث صحيحة، وهي تُساعد على تأكيد الليلة بعد فواتها لا قبل وقوعها — فلا يُستدلّ بها على تعيين ليلة معيّنة قبل دخولها:
- السكون والطمأنينة: «سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» (97:5). تجد الليلة هادئة معتدلة، لا حرّ شديد ولا برد قارس، مع سكون يُلقى في النفس.
- ضعف شعاع شمس صبيحتها: تشرق الشمس في صباح الليلة بيضاء بلا شعاع كأنّها طست — هكذا وصفها النبي ﷺ في حديث مسلم 762. ويتمكّن المرء من النظر إليها دون أن يُبهره ضوءها.
- القمر بدر منير: ذُكر في بعض الروايات أن القمر يكون فيها مضيئًا واضحًا.
- انشراح القلب في العبادة: يجد كثير من العابدين خشوعًا غير معتاد، وسهولة في الدمعة، وحضورًا في الدعاء، فهذه قرينة قلبية يستذكرها العبد.
الدعاء المأثور في ليلة القدر
سألت أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟» فقال:
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي
(رواه الترمذي 3513 وابن ماجه 3850، وصحّحه الألباني)
كرّر هذا الدعاء طوال الليلة. هو دعاء قصير عظيم المعنى، علّمه النبي ﷺ زوجَه عائشة لمّا سألته عن دعاء يخصّ هذه الليلة. وفيه ثلاث لفتات: الإقرار لله بصفة العفو، ثم محبّته للعفو، ثم سؤاله العفو بحقّ هاتين الصفتين.
كيف نحيي ليلة القدر؟
قبل دخول الليلة
- الاغتسال والتطيّب وارتداء أحسن الثياب — فإحياء الليلة كالعيد الخاصّ بينك وبين ربك.
- الإكثار من الصدقة قبلها، فقد كان النبي ﷺ أجود ما يكون في رمضان.
- الإفطار باعتدال يُيقظ النفس ولا يُثقلها، فإن المعدة المتخمة تقتل القيام.
- أداء المغرب والعشاء والتراويح كاملةً في جماعة المسجد إن أمكن.
أثناء الليلة
- إطالة القيام في صلاة التهجّد ولو أربع ركعات أو ثمان، مع تطويل القراءة والركوع والسجود.
- تلاوة القرآن، وبخاصة سورة القدر (فهي خمس آيات قصيرة، يمكن قراءتها مرات).
- الإكثار من دعاء عائشة المأثور بتركيز وحضور قلب، لا بلسان غافل.
- الدعاء بطول وإلحاح: لنفسك، وأهلك، والأمة الإسلامية، والمستضعفين في كل مكان.
- التوبة الصادقة، وذكر الذنوب بعينها، والعزم على تركها لا مجرد قول «أتوب».
- قراءة ما تيسّر من القرآن إن كان عندك قوّة على ذلك.
قبل الفجر
- تأخير السحور إلى قبيل الفجر تأسّيًا بالنبي ﷺ.
- أداء صلاة الفجر في جماعة في المسجد إن أمكن.
- عدم النوم قبل طلوع الشمس — فالساعة بعد الفجر مباركة، ويُستحبّ المكث في مصلاك للذكر.
إن لم تستطع إلا ليلة واحدة
احرص على ليلة السابع والعشرين (ليلة السبت ١٤ مارس ← الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦). بعد العشاء والتراويح، خذ قسطًا من النوم ساعةً ونصفًا، ثم استيقظ في الثلث الأخير من الليل — نحو الساعة الثانية فجرًا بحسب توقيت بلدك — واجتهد في العبادة حتى الفجر (نحو الرابعة والنصف). فلو كانت هذه الليلة هي ليلة القدر وعبدتَ فيها ساعة ونصف بصدق، كُتب لك أجر ٨٣ سنة من العبادة المعتادة. فأيّ صفقة أعظم من هذه؟
الاعتكاف في العشر الأواخر
من السنّة المؤكدة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، تأسّيًا بالنبي ﷺ. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ» (متفق عليه). والاعتكاف هو لزوم المسجد لعبادة الله، انقطاعًا عن شواغل الدنيا. ومن لم يستطع اعتكاف العشر كاملةً اعتكف ليلة أو ليلتين خاصّة ليلة السابع والعشرين، فإنّه مظنّة إدراك ليلة القدر.
تابع رمضان ومواقيت الصلاة
اعرف مواقيت الإفطار والسحور والصلوات الخمس بدقّة لمدينتك من خلال إمساكية رمضان ٢٠٢٦ (٣٠ يومًا كاملة)، أو افتح صفحة مواقيت الصلاة لمعرفة وقت المغرب والفجر الدقيقين كل ليلة.
الأسئلة الشائعة
- متى ليلة القدر في رمضان ٢٠٢٦؟
- ليلة القدر في إحدى ليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان، وأرجاها ليلة السابع والعشرين. وفي عام ١٤٤٧هـ الموافق ٢٠٢٦م، تبدأ ليلة السابع والعشرين عند مغرب السبت ١٤ مارس وتمتدّ إلى فجر الأحد ١٥ مارس. وقد أمر النبي ﷺ بطلبها في ليالي الوتر (٢١ و٢٣ و٢٥ و٢٧ و٢٩) لأنها أُخفيت ليجتهد العباد في كل الليالي.
- ما هي ليلة القدر؟
- ليلة القدر هي الليلة التي أُنزل فيها القرآن جملةً واحدة إلى السماء الدنيا. أنزل الله سبحانه في فضلها سورة كاملة هي سورة القدر، ووصفها بأنها «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (القدر: 3) — أي نحو ٨٣ سنة من العبادة المعتادة. تتنزّل فيها الملائكة وجبريل عليه السلام بأمر ربهم، وهي ليلة سلام إلى مطلع الفجر.
- ما هي علامات ليلة القدر؟
- وردت في السنّة علامات للتعرّف عليها بعد وقوعها لا قبلها: (١) أن الليلة طلقة ساكنة معتدلة لا حارّة ولا باردة. (٢) أن الشمس تطلع صبيحتها بيضاء ضعيفة الشعاع لا شعاع لها — كأنّها طست (رواه مسلم 762). (٣) سكون يجده القلب وانشراح في العبادة. ولا يصحّ تحديد ليلة معيّنة بهذه العلامات قبل وقوعها، وإنما هي علامات يستذكرها العبد بعد فوات الليلة.
- ما الدعاء المأثور في ليلة القدر؟
- سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: «إن وافقتُ ليلة القدر، فبأيّ شيء أدعو؟» فقال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (رواه الترمذي 3513 وصحّحه). فهذا أعظم دعاء يُكرَّر في الليلة. كما يُستحبّ تطويل الصلاة وتلاوة القرآن والدعاء بحاجاته.
- هل يلزم إحياء الليل كلّه في ليلة القدر؟
- الأفضل والأكمل إحياء الليل كاملًا، فقد كان النبي ﷺ في العشر الأواخر «يُحْيِي لَيْلَهُ، وَيُوقِظُ أَهْلَهُ، وَيَشُدُّ مِئْزَرَهُ» (متفق عليه). ولكن ليس بلازم، فمن لم يقدر فعليه أن يحيي ما يستطيع، ولو ساعة بعد العشاء والتراويح، ثم ينام ويستيقظ في الثلث الأخير قبل السحور. والنبي ﷺ قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» — وهذا يدلّ على أن قيام التراويح إلى ختام الإمام يحقّق أجر قيام ليلة كاملة.
- ما الأعمال الفاضلة في ليلة القدر سوى الصلاة؟
- تتعدّد الأعمال الفاضلة في هذه الليلة: (١) إطالة القيام في صلاة التهجّد. (٢) تلاوة القرآن — وبخاصة سورة القدر وسورة يس وسورة الكهف. (٣) الإكثار من ذكر الله: تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل. (٤) تكرار دعاء عائشة في الإجابة المأثور. (٥) الدعاء لنفسك وأهلك والأمة الإسلامية والمستضعفين. (٦) التوبة الصادقة والعزم على ترك الذنوب. (٧) الصدقة قبل الليلة وفيها. (٨) الاعتكاف في المسجد إن أمكن، فقد اعتكف النبي ﷺ العشر الأواخر طيلة حياته.
اقرأ أيضًا